محمد طاهر الكردي

275

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

( الأول ) أنهم لم يمارسوا جميع أحوال الحياة كما مارسها النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنهم لم تهيأ لهم الفرصة ، ولو تهيأت لفعلوه . ولنضرب مثلا بالمسيح عليه السلام ، كلنا نعلم أن كثيرا من سعادة المرء يتوقف على معاملة أهله بخلق حسن ، فلو أن المسيح تزوج لكان مثال الزوج الكامل ، ولكنه لم تتح له فرصة الزواج ، ولذا فنحن لا نستطيع أن نقتدي به في هذه الناحية . ( الثاني ) أن الذين منهم أتيحت لهم الفرصة وأدوا واجبهم على الوجه الأكمل ، لم يصل إلينا من أخبارهم إلا النزر اليسير ، وحتى هذا النزر اليسير لا يصور لنا الحقيقة كما هي ، بل هو صورة ما انطبع في أذهان أصحابهم الذين دونوا تاريخهم فكتبوا ما راق لهم ، هذان الأمران بالذات هما السبب في أن الإنسان يحاول عبثا أن يجد قبسا من النور والهدى في حياة الأنبياء السابقين ، ولكن محمدا صلى اللّه عليه وسلم هو العلم الفرد الذي يجد الباحث في تاريخه ما يروي غليله . ليس كل ما في جعبة النبي هو الدعوات الصالحات ، وإنزال اللعنات ، وإلقاء العظات ، والإتيان بالمعجزات ، بل إن منصب النبوة أسمى من ذلك وأجل ، فالنبي يبعث لإحياء الإنسانية من الموت العقلي والخلقي والروحي الذي حل بها ، ويبعث بالشرائع السامية ليعمل بها في خاصة نفسه ، ويأمر الناس أن يهتدوا بهديه ، وبذلك يحيي أرض القلوب بعد موتها . وخلاصة القول أنه يبعث " لتكميل الإنسانية " وهي مشكلة من أعوص المشاكل ، لأن للإنسان جوانب متعددة منها الناحية الجسمية والناحية العاطفية والشعورية والاجتماعية والخلقية والروحية ، وهذه النواحي كلها مشتبكة يكمل بعضها بعضا في وجودها وتطورها ، كما أنها تتعاون في أداء وظائفها . وقد اختلف الناس في شأنها ، فمنهم من يذم الغرائز والميول النفسية ، ومنهم من يشير بقمعها وسحقها ، وهذا مخالف للطبائع البشرية ؛ لأن هذه الغرائز قابلة للتطور والارتقاء ، وهي أساس الأخلاق العالية ، وبذرة الرقي الروحي . وواجب النبي أن ينظر إليها جميعا بعين الاعتبار ، وأن يرشد إلى وسيلة يمكن بها توجيه هذه الغرائز في الطريق القويم ، وضبط القوى العقلية على الوجه الذي يسمو بالإنسانية ، ويمكن الإنسان من التخلق بالأخلاق الربانية ، كما أشرت إلى ذلك في مكان آخر في هذه الصفحات .